اقرأ التفاصيل
recent
أخبار عاجلة

حرامٌ عليكِ وحرامٌ عليهِ وحرامٌ علينا

الصفحة الرئيسية
الحجم

حرامٌ عليكِ وحرامٌ عليهِ وحرامٌ علينا





حرامٌ عليكِ وحرامٌ عليهِ وحرامٌ علينا

بقلم : الكاتبة منال خليل 


لم يكن الحرمان مجرد غياب جسدي، بل كان حصارا نفسيا خانقا، كمن يُحبس في غرفة مغلقة بلا هواء.

المهندس " شادي " لم يكن مجرد رجل ستينيِ محروم من أنس وونس زوجته والود، بل كان رجلاً يُنتزع منه كيانه قطعةً قطعة على مدار اكثر من ثلاثون عاما

 حتى صار ظلا يتحرك بلا روح، يتحدث بلا رغبة، يبتسم بلا معنى.


 كان يستيقظ كل صباحٍ بنفس الإحساس الثقيل، إحساس الرجل الذي يعيش في بيته كأنه ضيف غير مرحّب به الأولاد كبروا منهم من غادر  ومن تزوج ومن استقل. 


و زوجته كانت تتحرك أمامه كأنها آلة تمارس حياتها بآلية صارمة، لا نظرة، لا كلمة حانية، لا لمسة تدل على أنها ما زالت ترى فيه الرجل الذي اختارته يومًا شريكًا لها. 

لم يكن هناك شجارٌ صريح، بل كان هناك ذلك النوع من الحروب الباردة، الصمت الموجع، التهميش، التجاهل، وكأنها تنتظر أن ييأس وحده، أن يتآكل كجدارٍ رطب يتساقط بلا صوت.



صارت تُبعد يديه برفق أولاً، ثم بخشونة

 ثم ببرودٍ قاتل، حتى صار بينهما جدارٌ صلب من الجفاء، كانت تمطره كل يوم بكلمة "حرام"

 كأنها تُطعمه لقيمات من القيود ،حتى بات يشعر أنه في منزله غريب، ضيف غير مرغوب فيه ،حتى حين مرض، لم تلاحظ.


 في إحدى الليالي، حين شعر بضيق في صدره، وعجز عن التنفس، ظن أنها ستنتفض، ستسارع إليه، ستضع يدها على قلبه وتقول بقلق:

 ما بك؟ لكنه حين ناداها، جاءت ببطء ببرود، نظرت إليه وكأنه طفلٌ مدلل يشكو بلا سبب، وقالت بصوتٍ خالٍ من أي تعاطف:


أنت تبالغ، هذا بسبب أكلك غير الصحي غيابك خارج المنزل استغفر الله ونام 


نام ، كيف ينام من يشعر أن الحياة تنسلّ منه؟ كيف ينام وهو لا يشعر أنه 

حي أصلًا ؟


 في تلك الليلة، بقي وحده في فراشه يراقب السقف، يفكر كيف أصبحت حياته بهذا الشكل؟ كيف تحوّل من رجل ناجح محترم بين الناس، يُحاضر في الجامعات يملك المال والاستقرار، إلى رجلٍ يشعر أن حياته بلا قيمة داخل منزله؟ 

أو غير مرئيِ.


 الاستنزاف البطيء


- لم تكن " قدرية " زوجته فقط تستنزفه معنويًا، بل كانت تستنزفه ماديًا ايضا وببرود، تطلب ما تحتاجه للبيت وللأولاد دون أن تفكر إن كان هو نفسه يحتاج إلى شيء ، لم تطلب أبدًا هدية له، لم تفكر في أن تسأله إن كان يحتاج إلى راحة، إلى سفر، إلى لحظة سعادة.

كان كل شيء يتمحور حولها وحول الأولاد وهو، مجرد "المصدر" الذي ينفق بلا تفكير بلا شكر، بلا حتى تقدير.

وحين أخبرها أنه يفكر في الزواج مرة أخرى، لم تصرخ من الغيرة، لم تبكِ من الألم، بل قالت بلهجة محايدة كمن تتحدث عن فاتورة كهرباء متأخرة:

تريد الزواج؟ إذن استعد لمعركة لن تخرج منها سالمًا 


وكأنها لم تكن تحبه أبدًا، لم تكن تريده لأجل الحب، بل لأجل المكانة، لأجل الصورة، لأجل أن يبقى الرجل الذي تنفق أمواله على أبنائها وهي تتحكم في حياته كأنه شيءٌ تمتلكه، لا زوجًا كان يحتاج إليها يوما.


الحصار الأخير

 حين قرر أن يمضي بحياته، حين اختار أن يتزوج من " دنيا"  وقفت أمامه مثل جدارٍ صلب، لم تبكِ، لم تنهار، لكنها استخدمت سلاحها الأخير ، الأولاد.


إن تزوجت، سينساك أولادك ،لن يدخلوا بيتك الجديد، لن يباركوا لك، سأجعلهم يرونك الرجل الذي هدم عائلته، الذي ترك أمهم وحدها .


  ضحك شادي بمرارة، كم هي بارعة في التلاعب !

  ليست غيورة عليه، ليست مكسورة القلب لكنها تريد أن تظل المرأة الوحيدة التي تُحدد كيف يعيش، كيف يتنفس، كيف يحب.

وهل كنتِ زوجة لي أصلا ؟


قالها أخيرا، بصوتٍ لم يكن غاضباً، بل متعبا، مرهقًا، كمن تحمل فوق كتفيه جبالًا لسنوات.


لقد أخذتِ كل شيء، ولم تعطي أي شيء! 

أخذتِ اسمي، وأولادي، ومالي، وأيامي وأعوامي، حتى نجاحي العمليِ وفي النهاية، تقفين أمامي، تريدين أن تمنعيني حتى من حقٍ واحد ، حقي في أن أشعر أنني رجل، أن أعيش، أن أحب او اكون محبوباً .

 إن كنتِ لا تريدينني، فلماذا تمنعينني من امرأة تريدني؟

اشتقت لأن استمتع بفنجان قهوة وأشعر بفعل الحياة.


لم تجب وقفت في مكانها، كأنها لم تسمع كأنها لم تفهم، أو ربما لم تكن قادرة على مواجهة الحقيقة القاسية: 

أنها لم تكن يومًا زوجة، بل كانت فقط جداراً يمنعه من الحياة.


الرحيل الأخير

  كان الغروب قد بدأ حين خرج من المنزل

وكانت الشمس تلقي بظلالٍ طويلة على الأرض، كأنها تودّع النهار برفق.

 شادي لم يكن حزينًا، لكنه لم يكن سعيدًا أيضًا. كان فقط يشعر بالهدوء، الهدوء الذي يسبق العاصفة، الهدوء الذي يأتي بعد سنواتٍ من الصراخ الصامت، والاختناق المستمر .


فتح هاتفه، كتب رسالة قصيرة إلى دنيا

"أنا قادم انتظريني "


ثم مشى، مشى كما لم يمشِ من قبل، مشى خفيفا، بلا قيود، بلا أغلال، بلا خوف.

 كان يعرف أن الحياة لم تعد طويلة أمامه لكنه قرر أن ما تبقى منها سيكون له.


 " دنيا "

كانت تنتظره في منزلها الصغير في ذلك الحيٍّ الهادئ مثل ملامحها، حيث تتراقص أضواء المصابيح على الجدران مبتهجة وحيث رائحة القهوة تمتزج بعطرها الناعم.


كانت ترتدي فستان أزرق قصير بسيط وتقف أمام المرآة تضع لمسات خفيفة من الكحل على عينيها الناعستين شوقاً، ليس لأنها تريد أن تغريه، بل لأنها تريد أن تُشعره بأنها جميلة، بأنه ما زال يرى الجمال في أنثى ناضجة، في امرأة لم تخرج من معطف الحياة بل ارتدته بعزة، وشغف.


عندما طرق "شادي"  الباب، فتحت له بابتسامة هادئة، لم تسأله: 

كيف كانت المواجهة؟

 لم تحاول أن تعرف التفاصيل، بل نظرت إليه، إلى تلك الهالة من الإرهاق حول وجهه، إلى التعب المرسوم في انحناءة كتفيه.


ثم قالت بصوت ناعم وكأنها نقطه مطر : 

تعال الى قلبي ، فالقهوة مازالت دافئة .

google-playkhamsatmostaqltradent